الاثنين، 29 أغسطس 2011

2. الجريمة الأولى / قصص وعبر - نظرات تحليلية في القصة القرآنية - محمد المجذوب

{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30

{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } فاطر28
]  آدم [عليه السلام
]  موسى [عليه السلام
]  محمد [ صلى الله عليه وسلم
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

2. الجريمة الأولى

{26} وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ{27} لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ{28} إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ{29} فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ{30} فَبَعَثَ اللّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ{31} المائدة

تستغرق هذه القصة ما بين الآي السادسة والعشرين والحادية والثلاثين من سورة المائدة ؛ وخلاصتها أن ولدين لـ ]  آدم [ قد تقدما بقربان إلى الله ، فارتضى الله عمل أحدهما ورفض الآخر ، فلم يطق المرفوض صبراً على هذه الخيبة وغلى صدره حسداً لأخيه .. فأعلن أنه قاتله ! ولكن هذا استقبل تهديد أخيه الهائج بهدوء الحليم ، فذكره بأنه لم يسئ إليه وإنما نظر الله إلى قلبيهما دون عملهما، فقبل منه لما علم من خشيته له ، ورد تقدمته لما وراءها من سوء الطوية، فما عليه والحال هذا إلا أن يتق ربه ويصلح قلبه، أما إذا أصر على تنفيذ تهديده بالقتل فسيكل أمره إلى الله ، وسيضبط أعصابه فلا يمد يده إليه بسوء لأنه يخاف الله ولأنه يريد أن يذهب هذا الباغي بذنبهما معاً ، فيحمل جريرة القتل ويحمل من ذنوب القتيل فينتهي إلى مصيره العادل في نار جهنم ..
على أن هذه الموعظة قد عجزت عن إطفاء جذوة الحقد في صدر ذلك الأحمق فإذا هو يهوي على أخيه بأداة قاتلة فيقضي عليه !

ولكنه ما إن يرى خمود الحياة في ذلك الجسم الذي كان إلى لحظة خلت فياضاً بالحكمة والحركة ، حتى طفئ لهبه وثاب إليه وعيه العازب ، فإذا هو مغمور في بحرمن الندم اللاذع يود لو شلت يده قبل أن تصل إلى أخيه .

ولم يكن – قابيل – وهذا اسمه فيما تواتر من الأخبار ، قد رأى قتيلا ولا ميتا قبل ذلك فيما يبدو ، فحار في أمر هذه الجثة ما يصنع بها ولعل التحلل قد شرع ينتابها فتصاعدت منها الروائح المتغيرة ، ولعله أيضاً قد جعل ينقلها من مكان إلى مكان جزعا مضطرباً
حتى شاء الله وضع حد لهذه الحيرة تكرمه لجثة ذلك المظلوم ، فقيض للقاتل أن يلمح عن كثب غراباً يفحص التراب ، فكأنما يريد أن يدفن شيئاً ، ففطن – قابيل – إلى ما فاته ، وتعلم من هذه اللمحة الطريقة التي يعالج بها حمله الرهيب ! .

وهكذا ووريت جثة – هابيل – كما تسميه الروايات الكثيرة ؛ طي الثرى ، وكان لذلك أثره العميق في نفس ذلك القاتل ، إذ أدرك أنه في حاجة إلى حيوان كالغراب يتعلم منه ابسط البديهيات ! وتجسم في خاطره هول الجريمة ، وفقدانه بأخيه البريء عضده المساعد وأنه المسعد ، وتراءى له غضب والديه ، وغضب خالقه ، وعقبات المحشر ، ومصاير الظالمين ، فإذا هو من النادمين ، إذ خسر نفسه وأخاه وطمأنينته ! .
تلك هي الخطوط العريضة لأحداث القصة من خلال الآيات الكريمة ، وقد عنى القرآن العظيم منها بالنقاط الكبرى التي تحقق العبرة ، فلم يذكر لنا شيئاً عن مقاومة – هابيل – ولا المكان أو الزمان الذي حدثت فيه الجريمة ، ولا الطريقة التي حصل بها القتل ، ولا العوامل السابقة لتقديم القربان ، وإنما اكتفى بالتصوير النفسي الذي ابرز كلا من الأخوين في وضعه المميز ، فإذا – هابيل – إنسان رباني ارتفعت نفسه على الحقد والحسد والكره ، لأنها امتلأت بمراقبة الله ، فهي تخشاه وترجوه ، وبدافع من الخشية والرجاء تحاسب نفسها على الحركة والهجسة ، بل لقد ارتفعت أحاسيسها حتى سمت عن الانتقام ، فهي لا تدفع شراً بشر ، ولأنها تريد أن يستقل الظالم وحده بكبر حماقته ، فيحمل وزره ويحمل من وزرها .
تفعل ذلك وهي مستطيعة الرد على المعتدي بمثل عدوانه وأشد ، ولهذا لا نحس في موقفها ضعفاً ولا استخذاء .. بل قوة خارقة ، وبطولة سامقة .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

أما – قابيل – فهو شخصية المهيأ بطبعه للجريمة ، إنه يثور بأخيه لمجرد رضى الله عنه فيتوعده بالقتل ! .. ويؤكد وعيده بالقسم والنون ( لَأَقْتُلَنَّكَ ) المائدة27 .
ولقد رأيناه يتردد بإزاء موعظة أخيه الصالح ، حتى لنتوقع أن يستيقظ ضميره ، فيندم على تهديده ، ويلقي نفسه على أخيه يعانقه مستغفراً تائباً ، ولكن عبثاً ، فقد كان غضب الرجل أكبر من عقله ، فلم يجد ِه تردده ، وكأنه كان يقلب وجوه الموقف فانتهى من ذلك إلى اليقين بأن التسامي الذي تنطوي عليه شخصية أخيه ، سيدعه دائماً في المكان الخلفي عند أبويه في نظر الله ، وكأنما يئس من إمكان الارتقاء بنفسه إلى مستوى أخيه فلم يبق إلا أن يقضي عليه فيريح نفسه من منافسته ، ويستقل هو وحده بتقدير الجميع .

ونحن نتبين ملامح هذا الصراع من تعبير القرآن العظيم بكلمة ( فَطَوَّعَتْ ) التي تفيد أن ضميره لم يكن في وفاق معه في ما أقدم عليه ، وإنما جاءه الدفع عن طريق الأهواء الطائشة التي تجمعت كلها في كلمة :
( نَفْسُهُ ) ( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ ) .
فالنفس هنا هي التي وصفها الله في قوله الآخر على لسان يوسف :

{ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يوسف53 .

هذه المعاني الكبيرة ، وهي بعض ما نستخلصه من الآيات الخمس ، يحس بها القارئ الواعي تشيع في أعماقه ..
أولاً عن طريق المفردات التي صـُبـَّت فيها المعاني بدقة لا مثيل لها في غير القرآن ، وثانياً عن طريق الأسلوب العجيب الذي نشعر بأن العبارة فيه تؤدي أكثر من حروفها و ألفاضها ، بما تنشر في وعيك وحيالك من الأشعة والظلال .
أنظر من ذلك إلى كلمتي ( الْخَاسِرِينَ ) و ( النَّادِمِينَ ) مثلاً .
فالأحمق يقدم على جريمته تحت ضغط الغضب ، كأنما سدت في وجهه السبل ، فلا متنفس له سواها ، ولكنه ما أن يفعل ذلك حتى تخرجه الجريمة من الربح إلى الخسران ، فهو قد خسر نفسه وأخاه ورضا أبويه ومولاه في لحظة عمياء !
وليس ضرورياً أن يكون قد استشعر كل هذا عقيب فعلته مباشرة ، ولكنه واقع أحاط به فجعل وصفـَه الخـُسر هو الصفة التي لا يكاد يصلح سواها ! .

فإذا نقلنا النظر إلى كلمة ( نادمين ) نجد أنها جاءت عقيب شعور القاتل بالعجز الفاضح تلقاء عمل الغراب ؛ حين يتعلم منه كيف يواري سوءة أخيه ، فتتفاعل نفسه بالندم المحرق ، لأنه هنا فقط أدرك أن الغباء والهوى هما اللذان
دفعاه إلى الجريمة ! .
والندم شعور واع يتولد من تصور الخطأ كما هو في الواقع مع فرض تلافيه ، فتود النفس تداركه ، ولكن بعد فوات الأوان ! .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

ولاستخلاص العبرة الإلهية من هذه القصة لا بد من إطلالة على ما يحيط بها من مضامين :
ففي الآيات السابقة على القصة أحكام هامة تتعلق بالعقود والعدالة وتنظيم
المجتمع المسلم ..
ثم حديث عن أهل الكتاب وما أُخذ عليهم من المواثيق ثم نقضهم إياها ، وتفنيد للعقائد الباطلة ، وتذكير للمؤمنين بنعمة الله إذ أنقذ رسوله والمؤمنين من مؤامراتهم ، وأخيراً تصوير مؤثر لمشاكل بني إسرائيل وتمردهم على [ موسى ] وجبنهم من دخول الأرض المقدسة ..
وبقليل من التأمل في هذه القضايا التي تثيرها الآيات السابقة للقصة يتبين للمفكر :  
مدى الارتباط الوثيق بينهما ، ذلك لأن تحقيق هذه الأحكام الإلهية ، وتجنب المعصية الناتجة عن مطاوعة الأهواء ، هما الوسيلة المثلى لتطهير الأرض من الظلم والعدوان ، اللذان يمثلهما عـُدوان قابيل على هابيل ..

إن القصة تعرض لنا أثر الإيمان عندما يتعاون مع العقل السليم ؛ فينتج للبشرية نفوساً كريمة كالتي رأيناها ممثلة في هابيل النبيل : من شأنها أن تغمر الأرض بالأمن والسلام ..
كما تقدم لنا المثل المقابل في نفس قابيل : التي ركبها الهوى فصدها عن طريق
الحق ، حتى أصبحت خطراً على نفسها وعلى أقرب الخلق إليها ..
وقد جاء ذكر أهل الكتاب وبخاصة بني إسرائيل : كمثل للانحراف عن تعاليم الله ، ذلك الانحراف الذي حرمهم والناس معهم نعمة الاستقرار والأمن الروحي .
ولا جرم أن هذا المعنى سيتأكد أكثر عندما نقرأ قوله تعالى تعقيباً على القصة :

{ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } المائدة32   

فـ الله تبارك وتعالى قد شاء أن يجعل من القصة ابني ]  آدم [  تذكره لعباده ليعرفوا حرمة النفس الإنسانية ، ومغبة العدوان عليها ..

وإنما خص بني إسرائيل بالذكر لعرض مآثرهم بالمعاصي ، ومحاولتهم اغتيال رسول الله مطاوعةً للحسد والبغي اللذين استوليا قبلهم على قلب قابيل ، فخسر بسببهما الدنيا والآخرة ! .

وتمضي السورة بعد ذلك في التحذير من الظلم والفساد ، وإصدار الأحكام الرادعة على كل من تسول له نفسه العبث بأمن البشرية .
فيؤكد لنا من جديد تلك الحقيقة التي كثيراً ما نغفل عنها وهي أن السلام الحق لا يتحقق إلا بإقامة شرائع الله ..

وأن العقل البشري أعجز من أن يحيط بمصالح الإنسان في النهايات البعيدة . .
فلا غنى له عن الاهتداء بضوء الوحي الذي لا تفوته صغيرة ولا كبيرة من مشاكل الإنسان وطرائق علاجها .

وأخيراً إن قصة الجريمة الأولى تعلمنا كيف نعالج نزواتنا الحمقاء بمراقبة الله ، والوقوف عند أوامره ، فلا ندع لها أن تنقلب حتى على عقولنا فنصبح من الخاسرين والنادمين .
ولعل أبلغ عبرها في قلوب المؤمنين تعليمها إياهم أن الحرية ، وهي أكرم هبات
الله للإنسان ، تصبح أشد أعدائه خطراً عليه ، عندما تتجاوز المعالم التي نصبها لهدايتهم على جانبي طريق الحياة .
وأعظم بها عبرة لأولي الألباب !..
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

    يقول الشيخ محمد المجذوب في قصص وعبر نظرات تحليلية في القصة القرآنية - الجريمة الأولى ص26 - سورة المائدة آية 26 : ثم حديث عن أهل الكتاب وما أُخذ عليهم من المواثيق ثم نقضهم إياها ، وتفنيد للعقائد الباطلة ، وتذكير للمؤمنين بنعمة الله إذ أنقذ رسوله والمؤمنين من مؤامراتهم ، وأخيراً تصوير مؤثر لمشاكل بني إسرائيل وتمردهم على موسى وجبنهم من دخول الأرض المقدسة ..
    وقد جاء ذكر أهل الكتاب وبخاصة بني إسرائيل : كمثل للانحراف عن تعاليم الله ، ذلك الانحراف الذي حرمهم والناس معهم نعمة الاستقرار والأمن الروحي .
    وإنما خص بني إسرائيل بالذكر لعرض مآثرهم بالمعاصي ، ومحاولتهم اغتيال رسول الله مطاوعةً للحسد والبغي ...
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم


تابع
3 - أبو البشر الثاني
مما كتب : محمد المجذوب / المدرس في الجامعة الإسلامية - مكتبة الرياض- المدينة المنورة - أول رمضان 1386 هـ
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم