الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

14 - بعض العـبر في قصة قارون / قصص وعبر - نظرات تحليلية في القصة القرآنية - محمد المجذوب


{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }فاطر28

]  موسى [
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم


14 - بعض العـبر في قصة قارون

من كنوز سورة القصص تلك الموعظة البالغة التي يسوقها الله إلينا في خبر قارون ، وتقع ما بين الآية الخامسة والسبعين والرابعة والثمانين .

{75} إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ{76} وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{77} قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ{78} فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ{79} وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ{80} فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ{81} وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ{82} تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ{83} مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{84} سورة القصص

تعرض لنا هذه الآية الكريمة خبر قارون على النحو التالي :
 كان قارون من قوم ]  موسى [ ، آتاه الله من الأموال ما يملأ الخزائن الكثيرة ، التي يعيا بحمل مفاتيحها الأقوياء من الرجال ، بل لقد عيَّ بأمرها عقله ، فنسي أنها من رزق الله ، ساقها إليه ليبلوه أيشكر أم يكفر ، وكأنما خيل إليه أنها من صنع يديه ، أبدعها بعبقريته ، وأحرزها بقوته ، فمن حقه أن يدِلَّ بها على عباد الله ، يهزأ من ضعفائهم ويسخر من فقرائهم !

حتى ضاق به أولوا الألباب من قومه ذرعاً ، فأخذوا ينصحونه ، مذكرين بأن فرحه بهذه الكنوز ضرب من الغفلة عن جانب الله ، فعليه أن يحدِث له شكراً كما أحدثَ له نعمة . . وبذلك يستبقي نعمة الله ، ويجمع بين هنائتي الدنيا والآخرة . .
ولكن الأحمق غلبه الغرور ، فأبى أن يقر لله بالمنة ، وأصر على الزعم أنه إنما نال ما نال بعلمه ! .

وقد نسي مصاير المغرورين من قبله . .

وخرج قارون ذات يوم على الناس في موكب من الترف المُطغي ، يحف به العبيد والأعوان ، فما إن بر به أهل الجهالة حتى غبطوه بل حسدوه ، وودوا لو كان لهم مثل ما له من ذلك الحظ العظيم . .

ولكن أهل الحكمة أسفهم أن يروا سفاهة هؤلاء ، فأخذوا يذكرونهم بالحقيقة التي لا يجوز نسيانها ، وهي أن مقياس السعادة ليس بضخامة الكنوز ، بل بتقوى الله المسببة لمرضاته وثوابه ، ولكنه مقياس لا يدركه إلا ذوو النظر البعيد ، والعزم الحديد .
وإلى هنا تبلغ الفتنة بمظهر قارون أقصاها ، حتى بات بقاؤه وثروته خطراً يهدد ضعفاء العقول والإيمان . . فكان من كمال العدالة أن تضع حداً لهذا الشر ، على وجه العـِـبرة إلى كل قلب . .

وصدر الحكم الإلهي للأرض أن تبتلعه وقصوره وأمواله ، فانخسفت به على أعين الناس حتى غاب في جوفها ، وهو يستغيث ولاتَ حينَ مَغاث .

ووجلت القلوب ، وسكت رهبة المشهد أفواه القوم ، ثم تحركت اللسن التي طالما رددت عبارات الغبطة لقارون ، تشكر الله الذي جنبها مصيره المرعب ، بأن صانها من الوقوع في مثل تلك التجربة الهائلة . .

* * *
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

 وسورة القصص من القسم المكي ، محورها الأعظم نقد الضلالات التي انحرفت بالإنسان عن طرق الله ، وشد الأذهان إلى آياته في الأفاق ، والإطلال بـ ]  محمد [ صلى الله عليه وسلم ، والمؤمنين به على نهايات الجبارين من أعداء الرسل السابقين ، ومصاير المستضعفين من المستجيبين لدعوة ريهم ، ليملأ قلوبهم ثقة بالمستقبل ، فيصبروا ويصابروا حتى يأتي الله بأمره.
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

وقد استغرقت أخبار ]  موسى [ و فرعون معظم السورة ، وبدأت بعقد توجيهي كبير الأثر ، إذ عرضت فرعون في قمة الفساد والطغيان ، يذبح الأبناء ، ويستبي النساء :
{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ }القصص4

وأعقب هذه الصورة الرهيبة بالصورة المقابلة المطمئنة ، إذ أرتنا المستضعفين المعذبين موصولين برحمة الله ، التي تريد أن تجعلهم في النهاية أصحاب الجولة الأخيرة أئمة الهدى ، و سادة الأرض :

{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ }القصص5

ثم تمضي السورة متابعة العرض لقصة الفريقين ، ومن ثم تنتقل إلى رسالة
]  محمد [  صلى الله عليه وسلم فتربط بينها وبين أخواتها من الرسالات السابقة ، لتربط أخيراً بين عواقب كل من الفريقين المتشابهين ، وبذلك تستمر فئة الهدى في طريقها الشائك ، صابرة محتسبة مطمئنة إلى المصير الموعود . .

وهنا يأتي خبر قارون ، بوصفه أحد المشاهد المتشابهة في حياة الدعوات الإلهية ، حيث يشكل البطر والفساد إحدى العقبات التي لا بد منها في طريق النصر ، وأنه لمشهد جدير بأن يفرد له حديث خاص .

ولقد كثرت روايات المفسرين حول قارون هذا ، ومعظمها جاء عن طريق رواة الإسرائيليات التي لا يملك أهلها سنداً صحيحاً ولعل أصح أخبار ما جاء عن ابن عباس من أنه ابن عم ]  موسى [ ، وأنه قد تآمر على نبي الله ليشوه سمعته . . فاستهوى إحدى البغايا بالمال لتفتري عليه السوء ، وقد فعلت إذ اتهمته بنفسها على مسمع من الناس ، ثم تراجعت عن تهمتها مهابة للحق ، وأعلنت سر المؤامرة . .
فسأل ]  موسى [ ربه أن يمكنه من الظالم ، فأمر الأرض بطاعته ، فأمر ]  موسى [
أن تبتلعه وأمواله فانخسفت به وبها على مرأى ومسمع من الناس ! .

* * *
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

ونحن عندما ننعم الفكر في عـِـبر القصة نجد أنفسنا أمام هذه النقاط الثلاث :
1.  عامل الترف في إثارة الطغيان .
2.  أثر الطغيان في إفساد الضمير البشري .
3.  القيمة الثابتة للإنسان بين المادة والوحي .

ولن نطيل الوقوف على كل من النقطتين الأولين ، فقد مر بنا من أمثالهما أثناء هذه الحلقات ما يكفي ويفي ، ولكن الجديد فيهما هنا هو ادعاء قارون أن ثروته من حائد معرفته !
فيتنكر بذلك لفضل الله ، بل وينكر أن يكون لله أي فضل في تحصيلها ! .

وهنا مستوى من الغباء لا يـُـتصور أكثر انحداراً منه ، لأن أقل الناس عقلاً يدرك أن نعم الحياة هبة من خالق الكون ، لا يد لأحدٍ في إبداعها سواه ، وأن بقاءها في يد إنسان موقوف على عشرات الأسباب التي لا يملك منها شيئاً . .

وكيف يعزب هذا عن مخلوق واع وهو يرى من حوله حركة الأقدار مستمرة أبداً في الخفض والرفع ، والعطاء والمنع ، دون أن يستطيع لها أحد جذباً أو دفعاً ! .

هذه الحقيقة لا يتطلب إدراكها كبير ذكاء ، أنها الواقع الذي يصطدم به جميع الأحياء . .
فإذا أتيح لامرئ الحصول على مال أو عقار ، لم يكن معذوراً إذا نسيها ، فادَّعى نسبة الفضل بذلك إلى نفسه دون رازقه ! .

ومع ذلك فكثيرون يقعون في حماقة قارون فيكفرون نعمة ربهم ، ولا يعرفون إلى تذكرها إلا عند زوالها ، أو حلول النقمة بهم ! .

ولا شك أن خير علاج لهذا المرض العقلي إنما هو تحريك النعم الموهوبة في حدود مصلحة الجماعة ، على وجه يضمن لصاحبها المتعة المشروعة ، مع تيسير سبيل الخير للآخرين من المحرومين .
وهي نفسها خلاصة النصيحة الموجهة إلى قارون :

{75} قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ{76} وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ{77} سورة القصص

وهذا العلاج حين يأخذ طرقه إلى أصحاب المال وعقولهم لن يجد الطغيان سبيلاً لإفساد ضمائرهم ، وبالتالي لن ترى القويَّ الذي يستخدم طـَـوله وحـَـوله لتشويه سمعة البرآء ، وقذفهم بكل مفظعة نكراء ! .

** وهكذا نتعلم من هذه العـِـبرة : أن التوجيه الإلهي لا يعارض غريزة التملك ، ولكنه يضبطها وينظم اتجاهها في الطريق القوم الذي يوثق رباط الفرد بالجماعة ، فيحمي المجتمع كله من عواقب الصراع الهدام .
ولكن لا ننسى كذلك أن هذه غاية لا سبيل لبلوغها ، إلا أن يبغي الناس بما في أيديهم من نعم الله الدار الآخرة وبذلك فقط يضعون الدنيا في محلها الصحيح ، من حيث كونها طريقاً إلى العليا ، التي يقول الله في شأنها معقباً على قصة قارون :{ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ }القصص83

*** بقيت النقطة الثالثة ، وهي أن المال وما وراءه من المـُـتع ليس هو الذي يحدد قيمة الإنسان في مقياس الحق ، فذلك ظل متنقل ، يمر على الكافر والمؤمن . . واللئيم والكريم ، ولكن قيمة الإنسان إنما يقررها العمل المنسجم مع تعاليم الله ، الذي هو وحده صاحب الحق المطلق في المالك والمملوك على سواء ، والذي له وحده أن يعيِّن طرائق الحصول على نعمه ، وطرق التصرف بهذه النعم ، والويل للإنسان عندما ينحرف بسلوكه عن هذه الجادة ، لأن ماله يومئذ سيكون أكبر أسباب شقائه ! .
وليس لزاماً أن يساق إليه هذا العقاب في صورة خسف كخسف قارون ، فإن لانتقام الله ألواناً أنذَرَنا هولـَها ، حين ذكرنا بمثلات الماضين من الباغين :

 { فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }العنكبوت40

أجل . . إنها لضروب من الانتقام ، شاءت حكمة الله أن يخص كل ضرب من الذنوب بحظ منها ، يتناسب مع لونه ووزنه ، ولقد كان أبرز آثام قارون تعاليه بماله ، واستعماله في البغي على آله ، فكان من العدالة الإلهية أن يـُـعاقـَـب َ بضربٍ من الإذلال يتناسب عكسياً مع ذلك الإذلال .

وهكذا تتابع أحوال قارون أثناء القصة ، فتتميز قلوبنا غيظاً من استكباره ، حتى إذا رأيناه يغو مع أمواله في أحشاء الأرض ، شعرنا بنشوة من الارتياح ، لا يضاهيها إلا شعور الموتور يظفر بثأره من مهينه ! .
ولا جرم ستكون نشوتنا أم عندما نقرأ في صحيح البخاري قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :

( بينما رجل يجر إزاره خسف به . . فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ) .

وما أروع أن يستمر إذلال المستكبرين إلى يوم القيامة ! .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم


تابع
15- الثلاثة المخلفون
محمد المجذوب / المدرس في الجامعة الإسلامية - مكتبة الرياض- المدينة المنورة - أول رمضان 1386 هـ
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

الاثنين، 3 أكتوبر 2011

13- من نبأ موسى وفرعون / قصص وعبر - نظرات تحليلية في القصة القرآنية - محمد المجذوب


{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }فاطر28

]  موسى [
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم


13- من نبأ موسى وفرعون

كان الجو في ( منفيس ) مشبعاً بالبغي الذي تفرضه الإلوهية الكاذبة ، لتستأصل كل محاولة للتنفس في صدور المظلومين ، وقد ضاعف هول ذلك الجو نبوءة ألقى بها أحد الكهنة المقربين إلى فرعون وملئه ينذره ، أن وليداً من بني إسرائيل سيطيح بعرشه ، وسيكون سبباً لهلاكه ! .
فجن جنونه ولم يكتف بكل ما أنزله عل أولئك القوم من ألوان البلاء والعبودية ، فأصدر أوامره إلى جلاديه المختارين بقتل كل طفل إسرائيلي يولد في تلك الأيام .

في تلك المرحلة الرهيبة ولد  ]  موسى [ يحوطه اليتم والفقر . . وتهدده مديه الجزار ، وضاقت أمه ذرعاً بوجوده ، ووجودها ، وحارت ماذا تعمل لحمايته ! .
وفي هذه الغمرة المرعبة يأتيها أمر الله بأن تودعه صندوقاً وتلقي به في النيل ، ولم تلبث الم الواثقة بربها أن نفذت ما أوحي إليها ، فحمل الماء ذلك التابوت العزيز حتى انتهى به إلى داخل القصر الفرعوني ، وهناك تراكض الخدم يستكشفون أمره ، فإذا هم أمام الطفل البريء يبهرهم بطلعته الرائعة ، فيحملونه مسرعين إلى سيدة القصر ، التي ما كادت تبصره حتى ألقى الله حبه في قلبها فتشبثت به ، راغبة إلى زوجها فرعون أن يتخذا منه ولدا ، يروي شوقهما إلى الطفولة التي حرما منها فلم يذوقا لذتها قط .

ووقع الطفل من قلب فرعون موقعه من قلب زوجته ، فبعث بالرسل يفتشون عن مرضع له ، ولكن الوليد استنكف بإصرار عن التقام أي ثدي .
وكانت أخته تتبع خبره وتقصُّ أثره ، فلما بصرت بالخدم في حركتهم الحائرة تقدمت تسألهم ، ثم تتبرع بإرشادهم إلى مرضع لا يرد ثديها طفل وهكذا جيء بأمه فما أن لامس فمه ثديها حتى التهمه في لهفة المشوق .

ومن هنا بدأ ترددها على القصر لخدمة الوليد العظيم ، إذ عينت لهذه المهمة ، وأجريت عليها من أجل ذلك الأرزاق الغامرة .

* * *

قيض الله لـ ]  موسى [ بهذه النشأة في قصر فرعون ، وفي حجر أمه ( يوكابد ) أن يـُطلَّ على أسرار الظلم الذي يصبه ذلك الأفاك على المستضعفين ، سواءً من المصريين أو من بني إسرائيل ، فامتلأ صدره نقمة من الغاشمين ، ورحمة بالمظلومين . . ولكنه ما كان ليرى سبيلاً إلى تغيير هذا الواقع ، المروض بقوة الحديد والتضليل .

وذات يوم بينما كان ]  موسى [ يجوب بعض أنحاء العاصمة الفرعونية ، وقد بلغ أشده ، فوجئ بصوت عبراني يستغيث من عدوان أحد أتباع فرعون ، فلم يتمالك أن دنا من الرجل فوكزه فكانت القاضية عليه ، وهنا غمره الندم إذ وجد أنه رد القسوة بقسوة أشد منها ، وقضى يومه خائفاً يترقب ، حتى إذا كان اليوم التالي إذا هو يقع في التجربة نفسها ، إذ يرى العبراني نفسه في معركة مماثلة ، فيوبخه ، ثم تغلبه الشفقة عليه فيتقدم لنصرته ولكن العبراني يحسبه هاجماً عليه فيستغيث منه ، ويكشف أمره للمصريين فيأتمرون للقضاء عليه ، غير أن رجلاً من أهل الغيرة أخبره بالمؤامرة ، ونصح له ( مدين ) ، وقد بلغها منهوكاً يكاد يحطمه الجوع واتعب ، فاتخذ له مقعداً في ظل قريب من الماء .

كان ذلك وقت الأصيل حين عودة الرعاة بأنعامهم ، فجعلوا يتزاحمون على الماء ، فلا يبلغه إلا الأقوى ، وهناك وقعت عينا ]  موسى [ على فتاتين قد اعتزلتا القوم بأنعامهما ، منتظرتين انصراف الرعاة ليورداها ، فأخذته الرأفة بهما ، ودنا من أحد الآبار المغلقة فرفع عنها غطاءها الضخم ، ثم سقى لهما أنعامهما وعاد إلى الظل ، وأعين الرعاة تتابعه مشدوهة بما رأت من قوته البالغة . . وما هي إلا برهة يسيرة حتى جاءت إحداهما تبلغه في حياء دعوة أبيها الشيخ لمكافأته على إحسانه .
ومضى ]  موسى [ أمامها إلى الشيخ ، وما إن تلاقيا حتى اطمأن كل منهما إلى صاحبه ، وسمع الشيخ الصالح قصة ضيفه فسكـَّن روعـَه قائلاً :

{ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }القصص25

 وأقام ]  موسى [ في جوار ]  شعيب [ ثماني سنوات يخدمه ويرعى أغنامه حتى إذا استوفى المدة التي جعلها صداقاً لزواجه بإحدى لبنتيه ، استأذنه بالسفر لرؤية آله ، الذين تركهم لا يعلمون عن مصيره شيئاً . . واتخذ سبيله مزوداً بالخير الكثير الذي ناله من فضائل الشيخ . . وعلى مقربة من طور سيناء ضل ]  موسى [ طريقه ، وأدرك زوجه المخاض ، فاضطر للنزول بانتظار هداية الله وعونه . .

وهنا تبدأ المرحلة العليا من حياة ]  موسى [ ، وذلك عندما لمح من جانب الطور ناراً ، فقال لأهله : لا بد أن كون هناك حلول من الناس ، نستدل منهم على الطريق ونأتيكم من نارهم بقبس تستدفؤن به ، ولكنه ما أن قارب مصدر الوهج حتى سمع النداء العلى يبلغه شرف اختياره لرسالة الله ! .

بيد أن المهمة كانت ثقيلة تنوء بها العزائم . . إنها مهمة إخضاع فرعون المتأله لأوامر الله ، التي تقتضي الخروج بقومه من جحيم العبودية إلى نعيم الحرية . . وصدع موسى بأمر ربه ، واقتحم على المتأله قصره وحيداً إلا من أخيه ]  هارون [ ، وأعزل إلا من آيات الله وتأييده ! .

ودهش فرعون من هذه الجرأة التي تدفع بهذين الضعيفين في نظره إلى تحدي قوته ، التي تستوعب مر وما فيها ، وذكره بفضله عليه في تربيته ، وحذَّره وأخاه من أن يتخذا إلهاً سواه . .

وصبر النبيان على سخف الطاغية ، حتى إذا استفرغ وسعه ، ذكراه بما زُوِدّ به من مؤيدات الله . . ألقى موسى بعصاه أمامه فإذا هي تستحيل ثعباناً رهيباً يملأ قلوبهم بالذعر ، ويضم يمينه إلى شق ثوبه ثم يخرجها بيضاء كالكوكب المتألق .
ولكن فرعون لم يشأ أن يستسلم للمعجزة : وادَّعى أن ذلك سحر في وسعه أن يقهره بسحر مثله . . ووجد ]  موسى [ في هذا الوعيد فرصة لتمزيق براقع الباطل ، فأعلن استعداده لمواجهة سـَحـَرتـِه وتم الإنفاق أن يكون الموعد يوم الزينة في ضحوة النهار ، حيث اعتادت جماهير الناس أن تتجمع للاحتفال .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

* * *

ودعا المتأله بكبار السحرة يحرضهم على الإبداع ، ويعدهم على النجاح بالجوائز الهائلة . .
فلما جاء اليوم المعـًّين امتلاءت ساحة الاحتفال بجموع الوافدين من داخل العاصمة وخارجها ، واشرف فرعون من قصره على المشهد ، ونضد السحرة َ الحبال والعصي ، ثم بدأ العرض فإذا هذه الجوامد تتحرك متخذة أشكال الحياء ، تسعى هنا وهناك . . وكاد الضعف البشري يغلب على ]  موسى [ لولا هاتف من الوحي أدركه في الوقت المناسب ، يهيب به أن :

{ لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى }طه68

وألقى عصاه فإذا هي تلقف ما صنعوا حتى تأتي على مخيلاتهم ؛ وهنا فوجئ الناس بالسحرة يخرون سجداً يعلنون إسلامهم .
وجن جنون الأفاك حتى لا يجد تدبيراً أصون لهيبته من المبالغة في عقوبة المهتدين ، فأمر بأيديهم وأرجلهم فقطعت من خلاف ، ثم صـُـلبوا على جذوع النخل .

وحاول فرعون وملؤه تعطيل مهمة ]  موسى [ بالحيلولة دون إخراج قومه ، ولكنهم اضطروا أخيراً إلى الخضوع لمطلبه تحت ضغط الآفات التي سلطها الله عليهم .
وهكذا غادر بنو إسرائيل مصر يقودهم النبيان ، وكان في ذلك انتقاص لمهابة فرعون ، وإضعاف لمصادر القوى العاملة بأمره ، لذلك ما لبث أن لحق بهم على رأس فيلق من جنوده المجرمين . . وشاء الله أن يدركهم القوم عند شواطئ البحر الحمر ، فلما رأى أصحاب ]  موسى [ قرب الخطر سـُقط في أيديهم ، وتوقعوا أن يعادوا إلى حيث كانوا . .

ولكن ]  موسى [ جعل يهدئ روعهم ، ويذكرهم بأنهم ليسوا وحدهم ، بل إن معهم ربهم الذي لن يسلمهم إلى عدوهم . .

وفي اللحظة الحاسمة تنزل الوحي على ]  موسى [ بأن يضرب البحر بعصاه ، وما أن فعل حتى انفرج الماء عن طريق يـَـبـَـسٍ ما لبث أن سلكه بقومه ، وقد ارتفع الماء عن جانبيه بقدرة الله كالجبال الرواسي . .

وبدل من أن يتعظ الظالمون بهذه المعجزة الجديدة ، اندفعوا مع طاغيتهم وراءهم دون تدبر للعواقب ، حتى إذا انقطعوا عن البر أذن الله للماء فأهوى عليهم وحدهم حتى ابتلعهم جميعاً . .

وهناك فقط زايل الغرور نفس فرعون فلم يتمالك أن يعنو لخالق الكون ، مردداً وهو يغرغر :

{ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ }يونس90

وكان من تمام الحكمة الإلهية أن يلفظ البحر أخيراً جثته ، ليشهد المخدوعون من مؤلهيه أي ضلال كانوا فيه ! .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

* * *

إن المتابع لهذه المشاهد لا يفوته إدراك ما بين قصة ]  موسى [ وقصتي ]  ابراهيم [ و ]  يوسف [ من قدر مشترك ، ففي كل من الثلاث صور رائعة لمجاري الحكمة الإلهية وراء الأحداث الغريبة . .  ولعل أبرز هذه الصور ما رأيناه من رعاية الله لكل من هؤلاء المصطـَـفين ، إذ تحيط بهم مؤامرات البغاة من كل صوب ، لا يتوقع إمكان نجاتهم من حبائلها ، ولكن ما نكاد نطل على نهاياتها حتى تفاجئنا طلائع الخير من حيث لا نحتسب ، وكأنما تلك كانت جزءاً من عمل القدر لتحقيق هذه النتائج .
لقد قام فرعون بتقتيل الأطفال ، ليدفع عن نفسه وعرشه كارثة قـُـدّرت على يد أحدهم ، فأبى الله إلا أن يحفظ الطفل المقصود من هذه المجزرة في كنف فرعون ، ويستخدمه هو نفسه لحمايته ، إذ أفرغ عليه عطفه وعطف زوجه ، فسيقا إلى الحرص على راحته ، وتأمين صيانته ما أوتيا من قوة .

وكان لنشأة ]  موسى [ في كنف فرعون أثر كبير في اطلاعه على الكثير من مظالمه التي لا يعرفها إلا الأقلون ، وهذا بلا شك جانب هام من الخبرة التي تتطلبها مهمته الآتية .

ثم جاءت هجرته إلى مدين حلقة جديدة في سلسلة النعم الإلهية ، إذ كان مقامه لدى
]  شعيب [ طوال تلك السنين مرحلة إعداد روحي عميق ، أشبه بالاعتكاف الذي يـُرَبيّ الإرادة ، ويصفي النفس من عوامل الضعف .
فمن سيرة هذا النبي الكريم تعلم الكثير من أساليب الدعوة ، ومن رعاية لمواشيه اكتسب الكثير من حكمة القيادة ، فلما حان موعد سيناء كان مهيئاً للنهوض بالعبء الأعظم ، الذي لا يصلح له إلا أولو العزم ! .

ونقف من دروس هذه المشاهد المدهشة على آخرها ، حيث تراءى الجمعان قوم
]  موسى [ ، ولا سلاح لديهم سوى عناية الله ، وفرعون بجنوده المدججين ، وقد أخذتهم عزة الإثم وخيلاء القوة فحسبوا أنهم القادرون على كل ما يريدون ، في حين خيل لصحاب ]  موسى [ أنهم لا محالة مقهورون .

وكان البحر الأحمر بالنسبة لقوم ]  موسى [ بمثابة الجدار البغيض الذي يحول بين السجين والحرية ، فهو بنظرهم الذي سيمكن لفرعون وكتائبه من الإيقاع بهم في أول لقاء . .
بيد أن حكمة الله أبت إلا أن تأتيهم بالفرج من حيث يتوقعون الحرج ، فإذا البحر نفسه ينشق بإذن ربه ، ليتخذوا منه طريقاً إلى النجاة ، ولتنطبق مياهه على مطارديهم من الظالمين ، فيكونوا إلى الأبد عبرة للمعتبرين .

أجل . . إنها لدروس كبيرة . . أقل ما يتعلم منها أهل الحق ، أن عليهم أن يستمروا في طريقهم دون أن يدعوا لليأس منفذاً إلى قلوبهم ، وأن أعظم أسلحتهم في مقاومة الباطل هو اليقين ، الذي يجعلهم أتم ما يكونون ثقة بنصر الله .

وأخيرا ليتذكروا أن الذي سخر فرعون لرعاية ]  موسى [ ، وآواه وهو الطريد الشريد عند ]  شعيب [ ، ثم أعاده نبياً رسولاً إلى فرعون ليحقق به إنقاذ المستضعفين وتدمير الباغين ، لا يزال هو المهيمن على كل شيء ؛ القادر على أن يجعل من أكبر الهزائم الظاهرة ، أروع الانتصارات الباهرة .

{ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }يوسف21

م9 – قصص وعبر

تابع
14- بعض العبر في قصة قارون
محمد المجذوب / المدرس في الجامعة الإسلامية - مكتبة الرياض- المدينة المنورة - أول رمضان 1386 هـ
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

الأحد، 2 أكتوبر 2011

12- شعيب في مدين / قصص وعبر - نظرات تحليلية في القصة القرآنية - محمد المجذوب



{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }فاطر28

]  شعيب [
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم


12- شعيب في مدين


حديثنا الآن عن نبي الله ]  شعيب [ عليه السلام وهو أحد الأنبياء الربعة الذين اختارهم الله من العرب ، كما ورد في حديث أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أربعة من العرب : هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر  ) وذكر ابن عبد البر في كتاب الاستيعاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( نعم الحي عنزة ، مبغي عليهم منصورون ، قوم شعيب وأختا موسى ) وفي الحديث توكيد لقرابة عنزة لـ ]  شعيب [ ، على أنه لا خلاف في عروبة ]  شعيب [ وقومه ، سواء صح هذا الحديث أم لم يصح ، وهو ما اتفق عليه المسرون والمؤرخون فضلاً عن الدلالة اللغوية في اسم النبي ، وقد اتفقوا كذلك على أنه منحدر من نسل ]  ابراهيم [
عليه السلام .

أما موطن القوم فهو مـَدْيـَنَ ، من أرض مـَعان في أطراف الشام مما يلي الحجاز .

تتوزع قصة ]  شعيب [  في عدة سور من القرآن العظيم ، بين العراف والعنكبوت ، وخلاصتها : أن هؤلاء القوم قد برزوا لمجتمع معروف عـَقـِيبَ قوم ]  لوط [ ، وعلى مقربة من منازلهم ، ونفهم هذا من تحذير نبيهم إياهم بقوله :

{ وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ }هود89    

وعلى الرغم من قرب عهدهم بالمـَـثــُلات التي أحلها الله بأولئك القوام الذين سبقوهم ، لم يتعظوا بها ، ولم يفيدوا منها ، بل اتبعوا دعاة الانحراف ، ثم تتابعوا في طريق السوء ، لا يتورعون عن اقتراف أخسِّ الأعمال العدوانية على حقوق الضعفاء . . اغتراراً بقوتهم ، واستهانة بكرامة العباد ! .

بدأ انزلاقـُهم في هذه الهـُوَى من نقطة الانحراف عن طريق التوحيد ، إذ اتخذوا لأنفسهم أرباباً من دون الله ، وقد سماهم الله في أكثرَ من موضع {أَصْحَابُ الأَيْكَةِ}
إشارة إلى عبادتـِهم الشجرَ أو نوعاً خاصاً منه . . وفي المثل : " من بدأ الهبوط في مزلقة الإثم لم يسطع الوقوف قبل آخرها ! . " وكذلك كان مجرد انصرافهم عن مـُنطلــَق الهدى مـَدعاة إلى السقوط المتتابع في جـُحور الباطل فابتعدوا عن عدالة السماء إلى أهواء النفس ، فتجردوا لجمع المال من كل سبيل ، دون أن يقيموا وزناً لأمرٍ أو نهي ، فهم أسوء الناس معاملة للناس ، يعيشون بالمكيال ، ينقصونه بائعين ، ويزيدونه مشترين ! .
ودفعهم غرور القوة إلى التسلط على الطـُرُق فقعدوا في سبيل الناس يوعدون ويخيفون ، فلا يسمحون لهم بالمرور إلا بعد أن يستوفوا منهم المكوس الباهظة ، ويستلبوهم الموال بمختلف الأعمال !

وطبيعي أن في هذا الهبوط خطراً يهدد عباد الله ، في أموالهم وأنفسهم وأعراضهم ويحول دون استقرار الحياة الاجتماعية ، الذي لا سبيل إليه إلا بالعدالة ، والطمأنينة ، واعتبار الكرامة الإنسانية . . وهذه أمور لا يـُطمح إليها في ظل فوضى كهذه ، يعيش في ظلها أهل ( مـَدْيـَنَ ) ، الذين جازوا في استهتارهم بالسنن الإلهية جميع الحدود. .
 
وقد مضت سنة الله في خلقه ألا يـُحلَّ مـَثــُلاتـِه بقوم إلا بعد أن يبين لهم ـ تحقيقاً لوعده الحق :

{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15

وعملاُ بهذا المبدأ العادل تلطف سبحانه بهؤلاء ، فاصطفى لهم رجلاً يعرفون فضائله ، وتجرده للحق .
هو عبده ]  شعيب  [ابن ميكائيل :

{ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ }هود84

ولكن القوم الذين مردوا على المعصية ، حتى فسدت ضمائرهم ،لم يستطيعوا الصبر على هذه الدعوة الصريحة ، فراحوا يسخرون من نبيهم ، ويوجهون إليه هذا الرد العقيم :

{ قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ }هود87

لقد تبلدت مشاعر القوم حتى أصبحوا يستغربون أن تكون عبادة  ]  شعيب [
سبباً في دعوتهم إلى مفارقة طريقة آبائهم ، الذين أورثوهم هذه الضلالات ، وأن تكون كذلك مسوغاً لدعوتهم إلى الاكتفاء بالحلال وحده ، حتى يضيقوا على أنفسهم أبواب الربح ، التي يفتحها لهم السـَّطـُو والغش وابتزاز أموال الناس بالباطل ! .
ولذلك يختمون جوابهم الوقح لبنيهم بتجريده من الحـِلم والرشد . . لأن دعوةً كهذه لا تتفق بزعمهم مع هاتين الصفتين ! .

وعلى سنة إخوانه النبيين لا يدع سبيلاً مـُوصـِلاً إلى قلوبهم وعقولهم إلا سلكه ، حتى لا يكون لهم حجة عليه عند الله ، فذكرهم بدلائل نبوته من المعجزات البيـِّنات ، وذكرهم كذلك بأنه أول العاملين بما يدعوهم إليه ، من الوقوف عند حدود الله :

{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ }هود88

ويثير في قلوبهم ذكريات الماضيين ممن دمرتهم عدالة الله : قوم ]  نوح [ وقوم
]  هود [ وقوم ]  صالح  [، وبخاصة جيرانهم قوم ]  لوط [ ! .

ولكن عبثاً ، فالقوم غير راغبين في الحق ، ولا مستعدين للتخلي عن خطتهم المعهودة ، ومن ثم فكل حديث معهم في هذا الصدد عقيم لا مردود له ، لذلك أرادوا أن يقطعوا على نبيهم كل سبيل لمواصلة الدعوة ، فراحوا يوجهون إليه هذا التحدي الصارم :

{ قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ }هود91
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

فهم مغـِلقون آذانهم وقلوبـَهم دون كلماتـِه ، وهم يرفضون أن يقبلوا دعوة تسوي بينهم وبين هؤلاء الضعفاء ، الذين اتبعوه فلم يزيدوه قوة ، وكان بودهم أن تتخلى عنه عشيرته ليقضوا عليه رجماً بالحجارة . . وكما فعل الطغاة من السابقين مع النبيين ، إذ راحوا يهددونهم بالنفي عن أرضهم ، وهكذا :

{ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا }الأعراف88

ويدرك ]  شعيب [ أن كبراء قومه قد بلغوا من تحجـّر العقول أدنى الدركات ، إذ حسبوا أن الإيمان ضرب من اللباس ، يرتديه المرء ويخلعه ساعة شاء . . لذلك يخيرونه وإخوانه بين الخروج من البلد أو الانسلاخ من العقيدة . . ولهذا جاءهم تعقيبة آية من الهزء بهذه العقول الوضيعة :{ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ }الأعراف88
إن العقيدة الصحيحة قضية نفسية اقتناعية ، ما إن تخاط القلبَ حتى تملكـَه ، فلا يستطيع تصور الحياة بدونها .
ولكن أنىَّ لمثل هؤلاء أن يحيطوا بمثل هذه المعاني ، وهم لا يكادون يفقهون قولاً . .

ويأبى هؤلاء العـُمـْـيُ أن يكتفوا برفضهم نور الوحي ، بل راحوا يقاومون دعوة نبيهم بين العامة ، متظاهرين بالغيرة على مصالحهم ، زاعمين ، أن إتـِّباع
 ]  شعيب  [ مفض بالمجتمع إلى التخلخل المخرِّب :

{ وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ }الأعراف90

ولم يكتفوا بهذا كله حتى أخذوا يتحدونه  بأن يأتيهم العذاب الذي طالما أنذرهم به :

{ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }الشعراء187

وبذلك وصل الأمر إلى مستقره ، ولم يعد للظالمين من عذر ، ولم يبق لـ  ]  شعيب  [
من مطمع من إنقاذهم ، بعد هذا الإصرار على تحد قدرة الله .

فلا مناص إذن من القضاء العادل أن يـُنزل عليهم ما يستحقونه ما لم يكونوا يصدقونه . . وهكذا تتابعت عليهم ضروب العذاب ، فرجفت بهم الأرض رجفة أسكتت حركاتهم ، وفاجأتهم صيحة مدوية أخمدت أصواتهم أظلتهم سحابة أرسلت عليهم شرراً أحاط بهم من جميع جهاتهم ، فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، كأن لم يـَغـْنوا فيها . . ولم ينج من تلك المـَـثلات إلا المؤمنون ،وعلى رأسهم نبيُّ الله ]  شعيب    [ ، الذي وقف على أشلائهم يغالب أحزانه . . يتذكر مظالمهم ومعاصيهم ، فيوبخـُهم ويؤنبهم :

{ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ }الأعراف93

* * *
* وفي قصة ]  شعيب  [ملامح معظم القصص القرآني ، من حيث أثره في قلب
]  محمدٍ [ صلى الله عليه وسلم وصحبه ، إذ يـُريهم أن موقف السابقين لا يختلف في كنهه عن موقف اللاحقين : خروج عن خط التوحيد فانتكاس إلى الفوضى الطاغية ، فتجريد للحياة من جمال العدالة ، ثم سباق محموم إلى الشهوات على أشلاء الضعفاء ، وكرامة الإنسانية فإذا انتهى الأمر إلى هذا المصير أرسل الله النبيين مبشرين ومنذرين لرد القطيع التائه إلى جادة الحق ، فيستجيب من احتفظ ضميره ببقية من سلامة الفطرة ، ويرفض الذين ماتت في قلوبهم مشاعر الخير !
وهنا يـُصدر القضاء الأعلى حكمه الأسمى ، فيدمر الظالمين وينجي المتقين ! .
ولا جرم أن في موقف قوم ]  شعيب  [ من نبيهم صورة تكاد تتكرر في موقف
أبي جهل وعصبته من خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين –  حتى الردود نفسها توشك أن تكون هي نفسها على ألسنة الأولين والآخرين ! .
وفي هذا ما فيه من التسلية لقلب  ]  محمدٍ  [ والمؤمنين معه ، وتثبيتهم على الصبر في وجه الطغيان ، إيماناً بأن العاقبة للمتقين . .

وهذا الضرب من العبرة لا تقفُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنصاره وحدهم ، بل تمتد إلى كل مصلح وقف نفسه لإعلاء كلمة الله حتى تقوم الساعة . . فقد يضرب الطاغوتُ بجرائه على صدور دعاة الهدى ، حتى يخيل للغافلين أن كل شيء قد انتهى ، ولكن أمل المؤمنين برحمة الله يظل أكبر من كل غـَشم وهول فيربط على قلوبهم ، حتى يأتي نصر الله ، ولا يرد بأسه عن القوم الكافرين ! .

* هذه كبرى العـِـبر في قصة ]  شعيب  [ . . أما ثانيتـُها فتتجلى في أعمال الهـُداة ، وفي قول ]  شعيب  [ عليه السلام لقومه :

{ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ }هود88

مبدأ تربوي لا صلاح َ لدعوة ٍ إلا بتحقيقه على الوجه الأتم ، فالنبوة دعوة إلى التوحيد والعدالة والإصلاح ، ولكنها في الوقت نفسه تطبيق محكم لكل ذلك في حياة النبي نفسه فهو لا يدعو قومه إلى خير إلا كان السابق إلى تنفيذه ، لأن البشر مفطورون على متابعة التجربة الخـيـًّرة معروضة ً لأعينهم في حياة منظورة ، وهو حكم مستمر في كل داعيةٍ لكل خير . . وبذلك يسقط الادعاء المزور الذي نسمعه من بعض المضـَّـللين ، حين يقولون بإمكان الفصل بين المبادئ النظرية والسلوك العملي ، في حياة أصحاب الدعاوى الاجتماعية ! .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

* ثم تأتي ثالثة العـِـبر ، وتتركز في هاتين العبارتين الإلهيتين :

{ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا }الأعراف56

{ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ }هود88

فغاية الدعوات النبوية إذن منصبة ٌ على الإصلاح . . إصلاح الحياة مطلقاً ، سياستها واقتصادِها وأخلاقـِها وأنظمتـِها العامة ِ دون استثناء . .
ثم سد المنافذ دمن تسرب الفساد إلى هذا الكيان الصالح . .
ولا شك أن فقدان العدالة ، والعدوان على حق الكسب المشروع بقوة الفرد أو المجتمع من أخطر ضروب الفساد المدمـِّر للأمن البشري . .
وذلك هو إفساد الأرض بعد إصلاحها ، وذلك هو بخس الناس أشياءَهم ، لأنه اغتصاب لحقوقهم المشروعة في نتاج جهودهم . .
ولهذا نسمع ]  شعيباً  [ يحرض قومه على الاكتفاء بالحلال ، لأنه ، وإن قل ، خير لهم وأوفر نفعاً ، وأضمن للسعادة من السـُّحت المغصوب ، وإن جاوز بكثرته حدود المعقول . .

ذلك لأن إزالة المعالم بين الحلال والحرام ، يجعل الحياة ميداناً لصراع القوى التي لا تعرف الرحمة ولا تقيم وزناً للإنسانية ! . .
ومثل هذا الصراع الوحشي سينتهي دون ريب إلى تمزيق وشائح الأخوة ، وبالتالي إلى تدمير كل جسور السلام . .
وقد تحدث هذه النتائج الرهيبة بمعصية نبي ، أو بمخالفة مصلح من محيي سنن الأنبياء . .

{ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الأحزاب62

{ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }الفتح23


م8 – قصص وعبر
تابع
13- من نبأ موسى وفرعون
محمد المجذوب / المدرس في الجامعة الإسلامية - مكتبة الرياض- المدينة المنورة - أول رمضان 1386 هـ
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم