الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

6 – المأساة العجيبة / قصص وعبر - نظرات تحليلية في القصة القرآنية - محمد المجذوب

{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30

{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } فاطر28
] يوسف [ عليه السلام
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

6 – المأساة العجيبة

سورة كاملة من القرآن العظيم تشغلها قصة ] يوسف [ ، وقد اشتملت على أدق العناصر الروائية ، من عـُقـَدٍ ومفاجآتٍ وأحداث ، تتفرع وتتأزم فتأخذ بكظم القارئ ، حتى تصل به إلى الحل العجيب ،الذي يسجل انتصار الحق ، ويصور جريان القـَدر ، وراء الأحداث ، على وجه يـُعـَــِّلم المؤمن الواعي كيف تحرك العناية الإلهية الأسباب التي تؤدي في النهاية إلى مالا يتوقعه في البداية . .
 وتتلخص القصة فيما يلي :
كان لنبي الله يعقوب اثنا عشر ولداً من أمهات شتى ، أصغرهم ] يوسف [ وقد توسم فيه أبوه طلائع غد كريم ، فأحبه أكثر مما أحب إخوته ، وآثره عليهم جميعاً ، فأثار ذلك في صدورهم غيرة منه ، بلغت مستوى الحقد ، فلم يجدوا لها منفذاً إلا بالخلاص منه . .
وجاؤا أباهم يسألونه الإذن لهم باصطحاب ] يوسف [  في رحلة ممتعة إلى البادية ، فامتنع أول الأمر خشية ً عليه ، إلا أنهم ما زالوا به حتى انزلوه على رأيهم ، فمضوا به إلى حيث لا رقابة عليهم إلا لأهوائهم . . وهناك تطارحوا الرأي في ما يصنعون ، وقد أصر أكثرهم على الفتك به لكي يخلصوا من مزاحمته نهائياً . .

ولكن كبيرهم يهوذا أشفق من هذه القسوة ، واستطاع أخيراً إقناعهم بأخف الشرين وذلك بإلقائه في جب هناك ، فعسى أن يوافيه من ينقذه ، فيأخذه وبهذا تتحقق رغبتهم ويخلو لهم وجه أبيهم . . . وأودع الصغير البريء غيابة الجب ، وعاد الكبار الجناة إلى أبيهم يتصنعون البكاء ويتهمون بدمه الذئاب . . غير أن يعقوب أدرك بثاقب فطنته ، وبما تذكر من رؤيا كان قد قصـَّها عليه ، أنهم غير صادقين . . بيد انه لا يملك حيلة ولا يعرف إلى لقائه سبيلا ، فأسلم أمره إلى الله . .

وعبرت بالجب قافلة من البدو في طريقها إلى مصر ، ولما أرسل ساقيهم دلوه تعلق به
] يوسف [ . . وما كان أشد فرح ذلك الواردُ عندما فوجئ بهذا الغنيمة . .
ولم يجد ] يوسف [ في قلوب القوم مكاناً للرحمة ، فإذا هم يفرضون عليه الرق ، ويقررون بيعه في أول سوق تطالعهم . . وما كادوا يبلغون عاصمة الفراعنة حتى باعوه من أول مساوم بأول ثمن . .
وكان الشاري هو (( فوطيفار )) صاحب الشرطة . . الذي لمح في ملامح مملوكه ما استمال واستحوذ على تقديره ، فأوصى به زوجته قائلاً :

{ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ } يوسف21

ومرت الأيام على ] يوسف [  في بيت ذلك العزيز هنيئةً سعيدة ، لا يسمع فيها كلمة نابية ، ولا يقصر في أداء خدمة ترضي سيديه ، حتى إذا احتوته بواكير الشباب كان فتنة الأبصار . . وقد شاء الله أن يقوده هذا التفتح الرائع إلى محنة جديدة ، لعلها لا تقل قسوة عن وحشة الجب ، ولا ذلة الرق . . ذلك أن (( زليخا )) سيدته الشابة الفاتنة قد سـُحـِرت بذلك الجمال ، حتى لم تتمالك أن تدعوه لنفسها مغلقةً الأبواب هاتفة به :

{ هَيْتَ لَكَ} يوسف23

ولكن هذه المحنة لم توهن من تربية ] يوسف [  التي تـَلــَّقى بذورها في أحضان النبوة ، فكانت تساوق نموه قوة وازدهاراً .
فكما بلغ من الشباب ذروة الجمال ، بلغ كذلك من الأخلاق قمة الجلال .
فهو ينفر من كل سوء ويأبى كل ما يخدش المروءة .
ولذلك كان رد الفعل في نفسه شديداًُ أمام هذا الإغراء ، فاعتذر أولاً بالوفاء لسيده :

{ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ } يوسف23
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم
فلما رأى إصرار المرأة على الجريمة صدَّها بقوة ، ثم فتح الباب وانطلق راكضاً لا يلوي على شيء . . هذا و زليخا في أثره تريد إكراهه على تنفيذ إرادتها التي حـّطمها ذلك الإباء . . وعندما انتهيا إلى مدخل البناء فوجئا بفوطيفار ومعه أحد أقربائها . .
 وما كان أسرعها إلى اختلاق الحيلة . . إذ زعمت أنه هو الذي أراد بها السوء . .
ولكن الله كذب زعمها بحكم نسيبها نفسه ، إذ قرر أنها هي المعتدية ، وكان دليله على ذلك التمزق والذي أحدثته في مؤخرة ثوبه . .

وسرعان ما طارت الشوائع حول الحدَث ، الذي تطوع الخدم بنقله إلى خارج القصر ، فأصبح مضغة الأفواه في أسمار النساء . . .
ولما أحست زليخا بمكر النسوة دعتهن إلى وليمة ، ثم أمرته بالدخول عليهن . . فما أن رأينه حتى فـُتِنَّ به ، وعذرن صاحبتهن في افتتانها . . ورحن يتعاونّ على إقناعه بالانصياع إلى أمرها . . ولم تكتم هي تصميمها على إمضاء ما تريد ، فأنذرته أنه بين أمرين : السجن أو الخضوع . . وخشي إن بقي في البيت أن تخونه عزيمته ، فجعل يضرع إلى الله :

{ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ } يوسف33

ولبث في السجن سبع سنين كانت فرصته الرائعة لنشر كلمة الله بين الجمع الغفير من السجناء ، الذين سيقوا إليه من مختلف الأنحاء ومن ثم إلى نشرها في الأمكنة التي يعودون إليها إثر استيفائهم أجل السجن . .

حتى شاء الله أن تنتهي المحنة ، وكان ذلك بسبب رؤيتين لسجينين أفضيا بحديثهما إليه ، فصدق تعبيره إياهما . . وبينما أحدهما في خدمة فرعون تراءى لهذا في منامه رؤيا أزعجته ، فساءل بها كهنته ، فلم يوفقوا إلى تأويل مقنع ، فاد َّكر الرجل إذ ذاك ما جرّبه من علم ] يوسف [  .

فمضى إليه يستفتيه في رؤيا الملك فألقى إليه تفسيراً اطمأن له قلب فرعون ، وتبين من ورائه عبقرية ] يوسف [  ، فأراد الانتفاع بمواهبه ، فبعثه بطلبه . . ولكن
] يوسف [  رفض أن يغادر السجن بأمر يحتمل الشبهة ، فرد الرسول طالباً أن يعاود التحقيق في التهمة الموجهة إليه أولاً . .

{ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } يوسف50  

وجيء بامرأة العزيز والنسوة معها ، فلم يسعهن إلا إقرار بالواقع المشرف :

{ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ }

و { قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ
وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } يوسف51  

ومن ثم أخرج نقي الصفحة عالي الجبهة ، ليتولى منصب وزير للتموين ، ينظم موارد مصر الزراعية ، لإنقاذ السكان من جدب السنوات السبع ،التي استبان الإشارة إليها من خلال رؤيا فرعون ومن هنا انفسح المجال أمام الجانب الجديد من عبقرية
] يوسف [ ، فإذا هو أجدر الناس بالمهمة التي اختارها لنفسه حين قال للملك :

{ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } يوسف55

لقد استولى على كل فائض من محصول الطعام ، الذي جادت به حقول مصر خلال سبع سنوات تتابعت بوفير الخير ، فلما أعقبتها سنوات المـَحل السبع وجد كل فرد في مصر ومن حول مصر حقه في الحياة مـَصُوناً مقنـَّناً ، في رعاية ذلك الألمعي َّ العظيم ..
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم
وجاء إخوة ] يوسف [ مصر ، يبتغون الميرة لإنقاذ عشيرتهم من براثن المجاعة . . فعرفهم ولم يعرفوه . . وسألهم عن هويتهم ، وتظاهر بالدهشة حين أعلموه أنهم أبناء رجل واحد . . وأكدوا له أن لهم أخاً آخر يبلغون به الأحد عشر تركوه مؤنساً لأبيهم ،
وكان ذلك بعض ما يبغي علمه عن شقيقه ذاك ، الذي يخشى عليه غدرهم فطلب إليهم أن يأتوا به في القــَدمة التالية ، لكي يشاهدهم مجتمعين ورد عليهم ثمن الميرة ، إذ أمر بجعله ضمن أحمالهم فما إن عادوا إلى أبيهم حتى اخذوا يحدثونه بأنباء ذلك الوزير الصالح ، والتمسوا منه أخيراً توجيه أخيهم معهم في رحلتهم القادمة . .

 ولكن يعقوب الذي فقد بصره من البكاء على ] يوسف [ ، لم يستطع أن يتخلى لهم عن شقيقه ، وكاشفهم بخوفه عليه . . ثم بعد إلحاح كثير سمح لهم باصطحابه ، وأخذ عليهم أغلظ المواثيق أن يحافظوا عليه بكل ما أوتوا من قـُدرة .

وانفرد ] يوسف [ بأخيه وأعلن نفسه له . . ثم استعان بالوسائل القانونية لاستبقائه عنده ، وبرَّ الأخوة بقسمهم ، فاستعطفوا الوزير وسألوه أن يأخذ أحدهم مكانه . . ولكنه أبى إلا إياه التزاماً لأحكام شريعتهم هم . . وبذلك تضاعفت آلام يعقوب ، غير أنه ظل موصول الأمل برحمة الله ، إذ كان يحس إيحاءً خفياً ، يلقي  في روعه أن ليس ذلك الوزير الخطير إلا
] يوسف [ ، وقد جمعت حكمة الله بينه وبين أخيه ، فهو لذلك يدعو بنيه للبقاء في مصر على مقربة من الشقيقين :

{ يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } يوسف87

ولم يلبث ] يوسف [ إلا ريثما استوثق من بقاء أخيه بجانبه حتى كشف لإخوته عن هويته ، وحمـَّـلهم قميصه إلى أبيه حتى يطمئن لوجوده . . وعزم عليهم أن يأتوه بأبويه وسائر أهله . .
وعن بعد غير يسير وجد يعقوب ريح ] يوسف [ من ثوبه ، ثم ما إنّ لامسه حتى ارتفعت طاقة الحياة في جوارحه ، فإذا أعصاب عينيه تتفتح ، فتعود إليهما جرية الضياء فيرتد بصيراً . .
وما هي إلا أيام السفر حتى اجتمع الشمل . . . وفي جلسة أسرية سعيدة ، تسنم فيها الأبوان الغاليان أرفع مكان ، وأحاط البنون الأحد عشر بهما في هالة من الوقار اللائق ، انحنى الجميع لـ ] يوسف [ تقديراً لفضل الله عليهم به ، وتكريماً لبره الذي طوق أعناقهم . .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

بعد هذا التلخيص المكثف يحسن بنا أن نلتمس بعض مواطن العبرة في هذه القصة ، التي فيها يقول الله تبارك وتعالى :

{ لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ } يوسف7

وأول ما نحاولهُ هنا تحديد المدلول قدر المستطاع لهذه الآيات ، التي يمكن أن تتجلى للسائلين ، الذين قد يراد بهم هنا طالبو المعرفة من أولي الألباب . .

لنتذكر أولاً الهدف الأساسي في محاولة أخوة ] يوسف [ عندما تآمروا على حياته .
لقد أرادوا أولاً قتله ، ثم اكتفوا بإلقائه في أكف الأحداث ، التي ستحقق لهم بتقديرهم الخلاص منه على أي حال .
ومنذ ذلك اليوم أصبحت حياته سلسلةً من الرزاء ، تطالعنا إحداها فنوشك أن نقطع الرجاء من نجاته ، غير أنها لا تلبث أن تتكشف لنا عن مجرى جديد من عمل القدر في تلك المأساة العجيبة ؟ . .

وهكذا نجد أنفسنا أخيراً تلقاء تلك النهاية التي كانت بنفسها قمة المعجزة إذ أرتنا المخلوقَ المظلومَ المسترَق السجين المنسي ، يخرج من محنة كلها كما تخرج فلذة التبر من لهيب الأتـُّون . . لا لتكون تبراً خالصاً فحسب ، بل لتكون تاجاً على هام الحوادث ، وليكون مثلاً أعلى للرجل الذي اختير لتحقيق ملكوت الله في هذه الأرض .

أليست هذه آيات بينات على حكمة الله ورعايته الشاملة ، من شأنها أن تـُحيل القنوط الموحش رجاء ، والسقم المؤنس شفاء ، ومن صفاتها الخارقة أنها تفتق ضياء الفجر من أسداف الظلام .
أو ليس في هذا إيضاح شاف لكلمة ] يوسف [ :

{ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } يوسف100

أجل إنه لطيف في خلق الأسباب المحققة لقضائه ، وإنه العليم الذي لا يفوته شيء في أرضه ولا في سمائه ، وأنه الحكيم الذي جعل الخير كله في متابعة أنبيائه .
وفي القصة أسلوب روائي هو نفسه أعجوبة البلاغة ، فمن شروط الفن القصصي العالمي أن يؤَّخرَ الحل إلى نهاية المطاف ، بحيث يكون مفاجأة غير متوقعة .
أما قصة في ] يوسف [ فقد وُضع الحل في الآية الرابعة من مقدمة السورة :

{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } يوسف4

فكان طبيعياً أن يمضي القارئ في مطالعة القصة وهو عارف نتيجتها ، من حيث نجاةُ
] يوسف [ وتسنمه المكان الأعلى ، إلا أنه مع ذلك يتابع أحدَاثها وكأنه خالي الذهن من كل أثر يـُذكِرّ بهذا الحل .

فهو يستقبلها مأخوذاً بروعة المفاجآت ، حتى ينتهيَ إلى الخاتمة ، فينتبهَ إلى أنه كان على مـَوعد معها منذ مطلع القصة .

* وقد سميت هذا أعجوبة لأننا لا نستطيع أن نتصور مثل هذا النجاح في أية قصة .

إذ المعتاد أن مجردَ الإشارة إلى نتيجة القصة في مقدمتها يقضي على روعة المفاجأة ، حتى لا يستطيع القارئ متابعة الوقائع ، كما يحدث لإنسان يرى شريطاً سينمائياً مقلوباً ، فيفقد بذلك الصبرَ على مشاهدة بقيته .

وأخيراً لا ننسى أن العنصر النسوي في قصة ] يوسف [ كان سبباً لنوع من التسامي الذي يستكمل به الإنسان أبلغ شمائل البطولة ، وبهذا يفارق القصة المألوفة ، التي تتخذ العنصر الأنثوي وسيلة إلى الإغراء فالهبوط فالانهيار فالقضاء على كل خصائص الإرادة الفاضلة .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

ولقد تم هذا كله في وسط لا يشجع على التسامي ، بل يستغرب فيه مثل هذا الضرب من الأخلاق المميزة ، يتمثل ذلك جلياً في سلوك زليخا وأترابها من نسوة المجتمع المترف أثناء وقائع القصة ، حيث رأين تواطؤهن على الإغراء ، إلى جانب برودة أعصاب الرجل ، الذي لم يجد في شذوذ زوجه ما يستدعي أكثر من الموعظة الرقيقة ، يسوق بعضـَها إلى المتهم البريء :

{ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا }

ويوجه بعضـَها الآخر إلى تلك العادية :

{ وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ }

على الرغم من يقينه التام بإصرارها على الإثم :

{ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ } يوسف29

وصدق الله العظيم القائل لنبيه الكريم :

{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ
وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ } يوسف3

( م5 – قصص وعبر )
تابع
7 - كذبت عاد المرسلين
مما كتب : محمد المجذوب / المدرس في الجامعة الإسلامية - مكتبة الرياض- المدينة المنورة - أول رمضان 1386 هـ
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

الجمعة، 2 سبتمبر 2011

5 - قصة الحرية / قصص وعبر - نظرات تحليلية في القصة القرآنية - محمد المجذوب

{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30

{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } فاطر28
 [ طـالـوت ] القائد
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

5 - قصة الحرية

قصة اليوم من كنوز سورة البقرة ، وهي تستوعب الآيات الست ما بين السابعة والأربعين والمئتين والثانية والخمسين والمئتين .
أشخاص القصة هم أحد أنبياء بني إسرائيل ، ولم يذكر القرآن العظيم اسمه ،
ثم طالوت : وهو الشخصية الرئيسية في وقائع القصة .
ويصفه القرآن بأنه ذو بسطة في العلم والجسم ،
ثم داوود ، ولا تذكر القصة عن ماضيه شيئاً ، ولكن المفسرين يكادون يجمعون على أنه كان راعياً يحسن الرمي بالقلاع ، وتحدثنا القصة أنه قد بـَرَّز في أحداثها ، فنتهى بسبب ذلك إلى الملك واختاره الله للنبوة .
وهناك ذكر لمجموعة من أشراف بني إسرائيل أشار إليهم القرآن باسم الملأ دون تفصيل .

أما أحداثها فتلخص بما يلي :
تغلـَّب بعض القوام على بني إسرائيل فأخرجوهم من ديارهم ، واسترقوا أبناءهم ، فحفز هذا أشرافهم وأولي الرأي فيهم على التفكير بطريقة لاسترجاع الأرض والأبناء ، فلم يجدوا سوى القتال ، ولكن هذا يتطلب قيادة حازمة يتولى صاحبها تنظيم طاقاتهم ، وتدبير أمورهم ، ليتمكنوا من مجابهة القوى صفاً واحداً لا ثغرة فيه ، ولهذا رفعوا أمرهم إلى نبيهم يعرضون عليه رغبتهم ، وينتظرون رأيه ، على أن هذا النبي ، وقد عرف مواطن الضعف في قومه ، وأحاط بالأسباب التي عرضتهم للهزيمة أمام خصومهم .

لم يكتمهم رأيه فيهم ، وذكـَّرهم بأن الأمر الذي يهدفون إليه يقتضي عزيمة وثباتاً ، وهو يخشى إن عمد إلى تحقيق مطلبهم ، أن ينكصوا في اللحظة الأخيرة ، فيمتنعوا عن القتال ، فيعلم العدو بأمرهم ، فيكون ذلك داعياً للقضاء على بقيتهم ! ،
ولكن القوم أعلنوا استعدادهم لكل تضحية . . ولا غرو فواقعهم يفرض عليهم أن يكونوا في القمة من العزم والتصميم ، وقد أثبتت الحوادث فيما بعد أن الرزايا لم تؤدب نفوس القوم جميعهم ، إذ لم يثبت على العهد منهم إلا قليل .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

وجاء الامتحان الأول في اختيار القائد ، إذ أعلمهم نبيهم أن الله قد اختار لهم طـالـوت لتنظيم قواهم ومـُقاتلة عدوهم  . . فإذا هم يرفضون هذا الاختيار ، معللين بأن طـالـوت رجل من عامة الناس لم يرث نسباً عالياً ، ولا يملك ثراء مغرياً .
ويؤكد النبي من جديد أن الله هو الذي اصطفاه عليهم ، إذ ميزه عنهم بالكفاءة العلمية والكفاءة الجسدية ، فهو أخبرهم بشؤون القتال وملابساته ، وهو كذلك أقواهم عليه من حيث طاقته الجسدية ،التي لا مثيل لها بينهم ، هذا مع العلم بأن كل شيء مملوك لله ، فمن حقه أن يعهد به لمن شاء من عباده ، وهو لا يعمل إلا بحكمة .
ثم أن الله قد جعل لاصطفائه هذا علامة لا ريب فيها ، وهي أن يعود إليهم تابوت العهد ، وفيه ألواح التوراة وبعض آثار موسى وهارون ، مسيراً بعمل الملائكة ، وهو الصندوق الذي استولى عليه عدوهم إبـَّان الهزيمة التي ألحقها بهم ، وكان لهم مصدر طمأنينة وتشجيع فلما فقدوه انهارت معنوياتهم . . وعودته إليهم الآن طليعة خير كبير ، تؤكد لهم أن الله راض عن حركتهم ، وهذا وحده كاف لرفع تصميمهم إلى القمة . .

وهنا لم يبق مكان لذي اعتراض في شأن قيادة طـالـوت .
وتدع القصة  ذكر التفصيلات المتعلقة بإعداد القوى ، وتنظيم الجند ، إذ تضعنا فجأة أمام طـالـوت يقود جنوده باتجاه العدو .

* ثم تأتي المفاجأة الثانية ، إذ يخبر طـالـوت جنوده بأنهم سيجتازون أحد الأنهار عما قليل ، وهو يريد أن يختبر مدى انقيادهم لأوامره .
لذلك ينهاهم عن الشرب منه ، ويعتبر كل مخالف لهذا الأمر غير صالح لمرافقته ، إلا أنه يبيح للظامئين منهم أن يبلوا ريقهم بغرفة واحدة فقط ، والذين يحرمون أنفسهم من الماء ، أو يكتفون بالقليل منه هم وحدهم جنوده الموثوقون .
 ويواجهون النهر ويكون امتحان شاق ، لا ينجح فيه إلا الأقلون ، أما الأكثرون فلم يعبئوا بأمر القائد وعبوا من الماء كالجمال الهـِيم ! .
وهكذا لم يبقى حول طـالـوت سوى قلة من الجنود ، ولكنها قلة موثوقة ، إذ أثبت قدرتها على الضبط ، وانصياعها للأمر مهما يكن عسيراً .

{248} فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً } البقرة

وتراءى الجمعان : الكثرة الكاثرة حول جالوت ، قائد الكافرين .
والقلة الصغيرة حول طـالـوت قائد المؤمنين ، وارتفعت بعض الهمسات تقول :

{ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } .

ولكن سرعان ما جاء رد أولي العزم من كبار المؤمنين يقول :

{  كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } البقرة249

وتوِّج هذا التصميم بالدعاء الحار إلى الله :
{249} رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا
وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ{250} البقرة   

وما هي إلا صولة وجولة حتى أسفرت المعركة عن هزيمة الكثرة الباغية أمام القلة المؤيدة بنصر الله . . وكان من أسباب الظفر المؤزَّر مقلاع داوود الراعي ، الذي قضى بحجر واحد على حياة قائد العدو ، فتضعضعت جموعه ، ثم لم تلبث أن ولـَّت الأدبار .

تلك هي العناصر الكبرى للقصة ، تعرض علينا واقع القوم كأننا بينهم ، فنحس ترددهم ، ونستكشف مواطن الضعف والقوة في نفوسهم ، فنعرف أنهم في بواكير انبعاث روحي ، جاء نتيجة كوارث بدأت تـُصـَفـِي أنفسهم من بقايا الانحلال ..
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

(م4 – قصص وعبر)
وقبل أن نتحدث عن عـِبرَ القصة وما تنطوي عليه من عناصر التربية للعقول والضمائر ، يجدر بنا أن نلقي نظرة مدققة على ما سبقها وما لحقها من الأحكام والإشارات .
فقبل قصة طـالـوت مباشرة يضرب الله لنبيه وللناس جميعاً مثلَ قوم تركوا وطنهم لعدوهم دون أن يدافعوا عنه ، خوفاً على أنفسهم من الموت ، فكان ذلك بمثابة موت لهم عام ، إذ أفقدهم الجبنُ حريتـَهم وكرامتـَهم ، فتراكمت عليهم النوائب ، التي تعلموا منها أخيراً أن لا سبيل للعزة إلا بالتصميم على الموت لا الفرار منه .. ثم يلي ذلك أمر الله المؤمنين بالقتال لدفع الباطل ، ولإعلاء كلمة الله . . مزيناً لهم بذل أموالهم في سبيل الله ذلك الواجب الأعلى .

فالعبرة العظمى إذا من قصة طـالـوت إنما هي تذكيرنا بذلك القانون الإلهي الثابت الخالد ، وهو لا سبيل لبقاء العزة إلا باليقظة الدائمة ، والتعهد المستمر لعناصر القوة التي عليها ينهض عبء الدفاع عن وجود الأمة في كل زمان ومكان . .

ومن شأن هذا التذكير أن يربي ضمير المؤمنين على هذه الحقيقة ، فلا يبخلوا بغال يدعوا الواجب إلى بذله لضمان هذه القوة ، ولا يستسلموا إلى الغفلة والتهاون ، فيغلبهم الضعف ، وتستحوذ عليهم قوى الشر التي لا تعرف المهادنة .
وتتفرع عن هذه العبرة المركزية عبر أخرى ..

** فهناك صفات الشخصية  القيادية التي لا تخضع دائماً للمقاييس الموروثة ، بل لا بد فيها من توافر الكفاءات المجردة ، التي تكوِّن الميزة الحقيقية في نفس القائد المختار .
* إنها أولاً ( بسطة العلم ) :
التي لا تحدد ضرباً معيناً من التخصص ، بل تشمل كل ما تحتاج إليه القيادة الصالحة من ثقافة عامة وإحاطة بأحوال النفوس البشرية ، وإدراك لقيمة العوامل الطبيعية والاقتصادية والتنظيمية ، إلى خبرة عميقة في شؤون القتال ، لا تعتمد على القوة الجسدية بقدر اعتمادها على فـَنيـَّةِ العمل ، ومواجهة الأحداث بما يناسبها . .
* ثم ( بسطة الجسم ) :
التي تشمل القوة الجسدية ، والإيحاء الشخصي الذي يملأ عيون جنوده وصدورهم مهابة له ، فيزداد له حبهم وتتضاعف به ثقتهم . .
* وحب الجنود للقائد وثقتهم به من الشروط الأساسية في القيادة الناجحة .
وقد رأينا أن اعتراض القوم على اختياره لم يكن مستنداً إلى حجة منطقية ، بل كان مرده إلى ما غرزته الألفة في نفوسهم ، من الانقياد إلى ذوي المكانة الموروثة والمال الكثير ، كيفما كان شأنهم ، فكان من الخير لهم أن يـُصرفوا عن هذا المقياس إلى معايير الكفاءة كائناً ما كان صاحبها ، حتى ولو كطـالـوت ، الذي يقول المفسرون انه كان دباغاً أو راعياً أو سقاء ، إذ لا يجوز للحرفة أن تؤخر صاحبها ، إذا أودع الله فيه ما يستحق التقدم .

وقد أثبت هذا القائد العبقري جدارته بمنصبه منذ إصداره أوامره بشأن ماء النهر ، فهو لم يصدر ذلك القرار العسكري اعتباطاً أو تحكماً ، بل لحكمة لا تفوت النبيه .
لقد رأى هؤلاء الجنود يختلفون عليه لدى اختياره للقيادة ، ومعظمهم لم يرض به إلا مكرهاً تحت الأمر الإلهي ، ومعنى هذا أنه مهدد بتمرد الكثرة من هذا الجيش على قراراته ، وقد يأتي هذا الانتقاض في أشد الأوقات حراجةً فتكون الكارثة القاضية ، وإذاً فعليه أن يختبر مدى طاعتهم له قبل المعركة ، وها هو الماء أمامهم ، فليكن هو موضع الاختبار . . ولا جرم كان الامتحان قاسياً ، ولكنه أدى غرضه على أروع وجه ، إذ كان سبباً في تطهير الجيش من عناصر الهزيمة ؛ التي ما كانت لتزيده إلا ضعفاً واضطراباً ؛ وبقي له العدد القليل ؛ ولكنه الكثير بقوة الصبر والإيمان التي لا تعرف الخلاف ولا التقهقر .

لقد نجحت هذه القلة في امتحان الضبط ، والتغلب على شهوة النفس ، فلا أحق منها بالنجاح في معركة القتال .

على أن مجرد اختيار طـالـوت ؛ وهو العامل الفقير لقيادة الجيش مع وجود الأفضل منه ، وهو النبي المؤيد بالوحي ، دلالة كبيرة على أهمية توزيع العمل وفق الكفاءات الذاتية ، الأمر الذي لا تحيد عن تحقيقه في كل أمة ذات أهداف كبيرة .

ثم هناك مشكلة اجتماعية ضخمة تثيرها القصة من خلال كلمة ( الملأ ) في مطلعها :

{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى
إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً } البقرة246

والملأ في اللغة أولو الرأي والأحلام من خاصة كل قوم ، ولعلهم سمو بذلك لأن مهابتهم وتوقيرهم يملآن قلوب الكافـّة . .
فهؤلاء الملأ هم الذين تيقظت مشاعرهم لواقع قومهم ، فسعوا لتغييره بما اقترحوه على نبيهم من أمر الجهاد ، وهذا هو المسلك الطبيعي ؛
ذلك لأن من شأن العامة أن تألف التغيرات الواقعة مهما يكن أثرها وضررها فتندمج فيها دون أن تفكر بمعارضتها ، إلى أن يتحرك لها الممتازون من ذوي العلم بالسنن الكونية والاجتماعية ؛
ومن هؤلاء تتسرب أشعة النهضة إلى الآخرين ، وسرعان ما يتفاعل هؤلاء مع الأفكار الجديدة التي على صلاحها أو فساده يتوقف مصير المجتمع كله .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

وقد انطوت آيات القصة على آيات من فن التعبير من حقها أن تجتذب العقل إلى الوقوف طويلاً للاستماع بدلالاتها العجيبة .
من ذلك وصف الله تبارك وتعالى لتابوت العهد { فِيهِ سَكِينَةٌ } وقد وردت هذه اللفظة في عدة مواضع من الكتاب الحكيم ، تحمل معنى نفسياً متشابهاً .

ففي معركة بدر { ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ . . .} التوبة26

وفي الغار { فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ } التوبة40

ولعل أنسب تفسير للسكينة في هذه المواطن الحرجة أنها الطمأنينة التي يسكبها الله في قلوب المؤمنين ، فيحفظهم من الهلع والجزع والتردد ، وبذلك يتهيأ لهم الأمن النفسي الذي يمكنهم من استعمال مواهبهم على أتم حال من الدقة ، دون أن تؤثر فيهم رهبة الموقف .
ولقد كان بنو إسرائيل بعد فقدان تابوت العهد في حالة انهيار - كما أسلفنا – فهم في أمس الحاجة إلى ما يثبت أقدامهم ، ويشحن بالاطمئنان  أعصابهم وقلوبهم ، وها هو ذا التابوت يعود إليهم بعد يأس ، تحمله الملائكة ، فأية لفظة أقدر على وصف الأثر الذي أحدثه في نفوسهم من ( السـكـيـنــة ) .
ولنـُلقِ نظرة مماثلة على قوله تعالى : { وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ }البقرة251
وأكتفي من الآية الكريمة بكلمة ( الدفع ) فقط ، لعلنا نستطيع الإحاطة بالجو الفكري الذي يثيره في الذهن ، وهو يتصور المعنى الدقيق الذي تسجله عن واقع الحياة البشرية . .
أن كلمة ( الدفع ) هنا ترسم في الخيال صورة الثقل يهبط عليك من هنا وهناك ، فلا تجد مـَخلصاً منه إلا أن تدفعه عنك بكل ما أوتيت من قوة ومبادرة لأن كل تهاون في ذلك يعرضك لخطر السقوط أو التحطم .

وهذا هو واقع الحياة تماماً . . إن قوى الشر تتحرك أبداً للانقضاض على الخير من كل اتجاه ، فعلى الذين في وصفه أن يكونوا على وعي مستمر وتأهب كامل لدفع ثقله ، وإلا أخل صمام الأمان ، وانتقضت نـُظم المجتمع ، وانتهى الأمر إلى الفساد . . فساد الحياة بأجمعها .

*** وهكذا نتبين أن قصة طالوت في القرآن العظيم إنما هي قصة الحرية والكفاءة والنظام . . قصة الكفاح ، والذي لا سبيل غيره إلى أي سلام أو صلاح .

49
م4 – قصص وعبر
  تابع
6 - المأساة العجيبة
مما كتب : محمد المجذوب / المدرس في الجامعة الإسلامية - مكتبة الرياض- المدينة المنورة - أول رمضان 1386 هـ
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

الخميس، 1 سبتمبر 2011

4 – من كنوز البقرة / قصص وعبر - نظرات تحليلية في القصة القرآنية - محمد المجذوب

{ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً }الفرقان30

{ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ } فاطر28
  ]موسى  [عليه السلام
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

4 – من كنوز البقرة

{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ }
{66} وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ{67}
قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ{68}
قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ{69}
قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ{70}
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا
قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ{71}
وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ{72}
فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ{73}
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء
وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{74} البقرة

نقرأ هذه القصة في الآيات السبع التالية للسادسة والستين من سورة البقرة وهي تخبرنا بما يلي : أن جماعة من بني إسرائيل قد أزهقت نفسا بريئة ، ثم أمعنت في تعمية الواقع حتى استحالت معرفة القاتل ، فراح كل فريق يتهم الآخر بالجريمة ، حتى بات الناس مهددين بفتنة دامية ظن وما كان هناك سبيل لإطفائها إلا بكشف القاتل ، ولا سبيل إلى ذلك إلا بمعجزة !

ولما انتهى الأمر إلى نبي الله  ]موسى  [أوحى إليه ربه أن يأمرهم بذبح بقرة . . ولكنه ما أن يبلغهم ذلك حتى عمدوا إلى المشاكسة فزعموا انه يهزا بهم ، حتى إذا دحض زعمهم اخذوا يشددون في طلب التحديد لصفات البقرة المطلوبة : ما هي ، ما لونها ؟ .. ويتظاهرون بالحيرة في أمرها ؛ فيقابل الله تشديدهم بمثله ، فيعين لهم صفاتها بدقة لا تدع مجالا للإيهام : أنها بقرة نصف بين الهرمة والبكر ، صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ، لا تستعمل في حرث ولا السقي ، صافية اللون ، سليمة الجلد ، لا شائبة فيها ....

وبإزاء التحديد الحاسم لم يجدوا مناصاً من التنفيذ ، فجاءوا بالبقرة الموصوفة وبعد تردد طويل ذبحوها ، ثم ضربوا بجزء منها ذلك القتيل ، فرد الله إليه الحياة ، حتى دل على قاتله . . وهذا الذي هابوه وودوا لو لم يفعلوه لو استطاعوا إليه سبيلا .
ونتأمل الآن في جو القصة فنرى أنها حلقة في سلسلة طويلة من أخبار بني إسرائيل تصور أخلاقهم النزاعة إلى المعاصي ، من إغراق في العناد ، وتآمر على الهداة ، وعبث بأوامر الله ، وتحريف لآياته ، وعدوان على أنبيائه . . وذلك كله مع مشاهدتهم للخوارق وتتبعهم بالعقوبات الإلهية ..

وفي هذا السياق الرهيب تأتي قصة البقرة ، لتذكر الخلف منهم بمثالب السلف ، في أسلوب من حقـِّهِ أن يبعث فيهم الخجل من ذلك الماضي ، ويدفعهم إلى الإقلاع عن تلك السوابق .. ولكن القارئ ما يكاد ينتهي إلى خاتمة القصة حتى تواجهه من القوم هذه الصورة البغيضة :

{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }البقرة74 .

وتستمر المشاهد في مرورها ، حلقات متفاوتة الصور والوقائع ولكنها متشابهة الدلالة والنتائج ، من حيث إبرازها هذه النفسية اليهودية العجيبة في إطار من القسوة والغباء وفساد الطوية لا نهاية لبشاعته ولهوله . .
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

وكيلا نتوهم أن الحديث خاص بالماضين من القوم وحدهم ، يشد القرآن بصرنا إلى واقع مستمر يعيد نفسه في كل جيل من أعقابهم ، فهذه مؤامراتهم الجديدة ، لا يقصر فيها اللاحقون عن شأن السابقين . . إنهم يلقون المؤمنين متظاهرين بالإيمان ليطمئنوا إليهم ، فيتمكنوا من رصد دخائلهم ، حتى إذا خلا بعضهم إلى بعض تواصوا بالنفاق وكتمان الحقائق . . وتولى كبار أحبارهم كبر هذا الكذب ، فهم يستغلون جهل الأميين من أتباعهم ، فيحرفون لهم الكلم عن مواضعه ، ويقدمونه إليهم على أنه من كتاب الله يريدون بذلك إقصاءهم عن الإسلام وأهله ، وهم الذين كانوا إلى وقت قريب ينذرون أعداءهم من العرب ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم ويتوسلون بها إلى الله ليهب لهم النصر على خصومهم

{ وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ }البقرة89    

وهكذا نتابع المشاهد ، فنشعر خلالها أننا بإزاء دروس نتعلم منها كيف نواجه دسائس هؤلاء الذين شاءت حكمة الله أن تجعل معركتنا معهم متصلة . . منذ بدء البعثة حتى اليوم الذي نطهر فيه الأرض المقدسة من أرجاسهم . .
ولعل من أدق الظواهر في القصة وما حولها أنها تسوق أخبارهم غالباً في أسلوب الخطاب ، موجهاً إلى يهود المدينة وكأنهم هم الذين اقترفوا كل هاتيك الجرائم ، مع أن بينهم وبين فاعليها الأولين عشرات المئات من السنين . . بل إن القارئ ليشعر أنها موجهة إلى كل يهودي في كل مكان وزمان :

{46} يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
{48} وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم
{49} وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ
{54} وَإِذْ قُلْتُمْ
{62} وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ
{71} وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً

وهو أسلوب عجيب يصور وحدة الشخصية اليهودية خلال التاريخ ، على أنها وارثة الخصائص نفسها التي دفعت الأولى إلى اجتراح تلك المخازي ، ولا تزال تواصل طريقها في أنفاق الجريمة ، مدفوعة إلى ذلك بالعقد الموروثة عينها ، لا يستثنى من ذلك يهودي واحد ، إلا من فتح قلبه للحق ، فآثره على الأهل والجنس والولد ..
ويبقى بعد ذلك موضوع الحكمة الربانية في اختيار البقرة كأداة لعملية الإحياء ، وقد كان مـُمـَكـَناً بالأمر الإلهي دون أية وساطة . .

ولقد تعددت روايات المفسرين في هذا الصدد ، . . ولعل أقربها إلى المعقول أن هذه البقرة كانت ملكاً لأحد الأيتام ، فلما رأى وليه حاجة القوم إليها غالى في ثمنها ، فكانت مناسبة طيبة عادت على اليتيم بالخير العميم .
وجو القصة مشبع بلون الخوارق التي تمثل ما وراء المادة . .
* في صورة إحياء قتيل عادت إليه روحه بلمسة من لحم بقرة ذبيح .
ولكنه ليس الإحياء الوحيد في أحداث السورة ، بل انه واحد من خمسة . .

* من ذلك خبر الموت الذي ألقاه الله على بني إسرائيل ، حين سألوا  ]موسى [
 أن يروا الله جهرة ، فأخذتهم الصاعقة ثم بعثهم من بعد موتهم ، . . .
* ثم خبر الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت فأماتهم الله ثم أحياهم ، . .
* ثم خبر العـُزَير الذي مر على قرية وهي خاوية ، فتساءل عن كيفية إحيائها ، فأماته الله مائة عام ثم بعثه ..
* وأخيراً خبر ] إبراهيم [ الذي تمنى لو يشهد إحياء الله الموتى ، . . .
فأمره أن يوزع أجزاء أربعة من الطير على الجبال ثم يدعوهن ، فرد الله إليهنَّ الحياة وأتينه سعياً ..
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

وطبيعي أن إعادة الحياة بعد الموت تؤلف الركن الأساسي في بناء الإيمان ، فهي التي تربـُطنا بفكرة البعث والحساب ، وبفقدانها ينطـَلق البشر كالوحوش الجائعة يأكل بعضه بعضاً ، ويفقد الإنسان قيمته وكرامته ، كالمـُشاهـَد في ظل الأنظمة القائمة على الإلحاد . . ومن هنا كان لتكرار هذه المشاهد ، والإكثار من ذكرها في القرآن العظيم أثره التهذيبي العميق في قلب المؤمن ، وهذا ما نلحظه جلياً في ختام القصة نفسها ، إذ نقرأ هناك هذا التوجيه الإلهي الحكيم :

{ كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } البقرة73 

على أن في حادثة الإحياء التي هي موضوع القصة دلالةً زائدةًً على مضمون الإحياء العام ، وهي دلالة خاصة ببني إسرائيل  ، إذ تؤكد لنا من جديد صورتهم المألوفة ، كبغاة ومعتدين ، وغلاظ القلوب ، كما وصفتهم كتبهم المقدسة ، . .
فهنا فئة ترتكب جريمة قتل ، ثم لا تتورع أن ترمي بها أبرياء . . في إصرار لا يقطعه إلا معجزة من وراء الطبيعة . . وهو مشهد يذكرنا بعنادهم البليد يوم أمرهم الله أن يدخلوا الباب سجداً ويقولوا : ( حِطَّةٌ) .

{57} وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً
وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ{58}
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ{59} البقرة

ومشهدهم الآخر يوم عكفوا على عبادة العجل الذهبي ، بعد أن أنقذهم الله من فرعون وهداهم إلى التوحيد ، ثم مشاهدهم الأخرى المماثلة وما أكثرها .
ولقد رأينا كيف أخذ الله عليهم العهد في وضع بالغ الغرابة ، إذ رفع فوقهم جبل الطور حتى ظنوا أنه واقع بهم ، فتهيأت نفوسهم لقبول الأمر الإلهي ، تحت مطارق الرعب ، ولولا ذلك لما تورع الكثيرون منهم عن التلاعب بأمر السماء كما فعلوا بتحويل ( حطة ) إلى 
( حنطة ... ) .
وهذا كله إنما يدل على أننا لقاء نفوس قد بلغ بها العتو والفساد حداً أصبحت معه غير صالحة لتقبل الحق إلا في ظلال الخوارق . .
وهو نفس السبب الذي حفز  ]موسى [ على أن يجازف إلى ربه بهذا الدعاء الحزين اليائس من كل أمل بالإصلاح

{ قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } المائدة25

وبسبب من ذلك يعقب الله تبارك وتعالى على قصة البقرة بهذا الخطاب الذي ينتقل به إلى تعليم المؤمنين :

{ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ
مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } البقرة75

أجل إنه طبع اليهودي المشوه الذي ورث النفاق من عهد العبودية ، وانتهى به التشويه إلى احقد على كل خير ، وعلى كل استقرار ، فلا يرضيه شيء مثل الفتنة والدس والفساد في الأرض . .
وسيظل المسلمون يعانون الأمرين من هذه الحرباء الخبيثة ، حتى يتعرفوا من كتاب الله خصائصها ، ويعاملوها بما يوجبه في حقها ، دون اهتمام بما وراء ذلك من نظريات ، ودبلوماسيات . . .
 طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم

تابع
5 - قصة الحرية
مما كتب : محمد المجذوب / المدرس في الجامعة الإسلامية - مكتبة الرياض- المدينة المنورة - أول رمضان 1386 هـ
طباعة وتنسيق موسى الكايد العتوم